Mercredi 02 Juillet 2008

جسر الحنين
رحلة إلي الجزائر
الحلقة الرابعة والاخيرة

بقلم علاء خالد

عن اخبار الادب المصرية
و
الصور لصاحب الموقع

صمت وصخب .. قهوة سوداء وشاي أخضر
الي: ياسين، جليلة، سفيان، سلمي، كريم،
نسيم حسن،نادية، غنية، فايزة، أبوبكر، بشير


في بداية التسعينيات، نشأ مرجع جديد في الذاكرة الجزائرية ، ولكنه أيضا دموي . أصبح هذا المرجع الجديد ينازع المرجع القديم، المتمثل في فترة الاستعمار الفرنسي، سطوته في الذاكرة الجمعية . ظهرت جماعات لها اتجاه ديني أصولي تحاول إشاعة الرعب في المجتمع ، عبر تفجيرات و عمليات قتل جماعي ، و اغتيالات و تصفيات لرموز صحافية و ثقافية و فنية . كانت محصلة الموت لتلك الفترة التي امتدت طوال عقد التسعينيات ، مابين مائة و خمسين و مائتين الف قتيل . بالتأكيد إنه رقم ضخم في ماراثون الموت هذا ، رقم يجعل الجزائريون يسمون تلك الفترة بالحرب الأهلية ، لأن العدو هذه المرة جاء من الداخل ، جاء ليؤكد وجود تناقض حاد في تكوين المجتمع . أي محاولة لفرض اتجاه بالقوة ، كما حدث مع هذه الجماعات ، أدي إلي زيادة رصيد الموت علي رصيد الحياة . كانوا يسمون تلك الجماعات بالأشباح ، استعمار لامرئي ، لا يجري و ينفذ عملياته ثم يختفي ، لذا أصبح المجتهم يتعدي حدود جماعة معينة او اتجاه ديني محدد و يمتد لأكثر من قوي تتحكم في المجتمع الجزائري ، و إلي مصالح كبري تقف وراء هذه الجماعات اللامرئية . و نتج عن هذه الحرب أيضا مئات وربما الاف من المفقودين ، لا يعرف اهاليهم أين ذهبوا و من قام بخطفهم ، و هل مازالوا أحياء حتي الآن ، و أين يقيمون ؟. حرب الأشباح هذه فجرت الاتهامات علي كافة الاتجاهات و الأصعدة ، و كذلك خلفت حنينا لغائبين و لمفقودين .
في نهاية كل لقاء كانوا يودعون بعضهم البعض ، فربما لا يلتقون بعد ذلك ، ربما تصادف أحدهم عربة مفخخة في الطريق ، أو رصاصة مجهولة . هذا الموت العبثي و المجاني و اللامرئي ، جعلهم يكثرون من لقاءاتهم ، كأنهم بشكل جماعي ، و بأجسادهم كمادة و كمعني، يقفون ضد هذه الأشباح ، ويبعثون لهم برسالة واضحة مؤداها لن نخاف ، رجالا و نساء . حتي الحانات لم تتوقف في أوج منحني القتل و أزدهاره . يبدو أن لحظات الخوف الجماعي ، أو الانصهار الجماعي هي التي تحفر في الذاكرة ، تصنع لها مرجعا . ربما الجزائر العاصمة لم تعانِ كما عانت الأطراف و المدن الأخري ، ولكنها في النهاية رمز للمقاومة و استمرار الحياة ، و أي انتقاص من مظاهر هذه الحياة كان يعني تآكلا جزئيا لحياة هذا الرمز ، بما تحتويه من حانات و مقاه و مطاعم و نواد و لقاءات و غناء و رقص تسكع وأفراح ، بكل تفاصيل المدينة . فالمدينة لا يمكن أن تكون مذنبة .

دائما كانت الجبال تحطونا بشكلها الصريح أو المجازي، بعد أن استئنست و تحولت إلي مصاطب وسلالم و بيوت و مطالع و منازل و حنايا ، تفاصيل مثل تفاصيل الذاكرة الصلدة . تلك الجبال التي قاومت الاستعمار عادت مرة أخري لتغير من وظيفتها ، و تصبح ملجأ و ملاذا لهؤلاء الأشباح . في الطريق الي تيبازة، و هي مكان مدينة رومانية قديمة تبعد عن العاصمة حوالي سبعين كيلومترا ، شرح لي محمد سائق العربية و شبيه زين الدين زيدان ، عندما أخبرته بملاحظتي أكد لي أن أصدقاءه يرون فيه نفس الشبه بزيدان : كيف كانت الجبال التي تحوطنا ينهمر منها الرصاص ، و كيف كان الخوف يتصاعد عند الاقتراب منها أو السير بمحاذاتها . في مغاراتها كانت تختبئ نيات مبيتة و محكمة ومنظمة للقتل . أثناء مرورنا بالطريق إلي تيبازة ، رأيت قري و مساكن لفقراء ولأثرياء علي طريق البحر، وجدنا أطفالا يجلسون هادئين و أمامهم طاولة يبيعون عليها العيش البيتي و الخضار ، ينتظرون رزقهم في طريق العربات و يلوحون لنا بنظرات مستسلمة . كما في قري مصر و مدنها ، أصبح للأطفال دور و مهام في حياة الأسر العربية .

الحركة في الجزائر العاصمة لها إيقاع متعدد ، الانتقال من مستوي إلي مستوي آخر مرتفع ، و أحيانا يعني هذا الانتقال انتقالا من مستوي اجتماعي لمستوي اجتماعي أرقي . لا تسير في طريق واحد مستقيم و منبسط لمدة طويلة ، هناك كسر دائم لحدود الرؤية ، أشياء مخفية ، تفاصيل و أزقة و زوايا ، كأنها مدينة الطفولة المتخيلة و التي لم نعشها أبدا ، وربما تكون متاهة الطفولة .
من ساحة كنيسة السيدة الافريقية ، و التي تقع في منطقة مرتفعة من العاصمة ، من هناك أحيط بالمدينة ، أملك خارطتها ، و حولي ثنائيات من المحبين ، يدفعهم هذا التحليق فوق المدينة إلي المزيد من الاقتراب . من أعلي تظهر ، و كما شرح لي دليلي في هذه الجولة ، مقابر المسلمين و اليهود والمسيحيين علي أحد مصاطب المدينة . هذا التجاور بين الأديان لايتحقق بهذه الوداعة ، فالمقابر الثلاث كانت تحوطها الأشجار ، إلا بعد أن تستنزف الحياة تماما و ينتهي رصيدها ، كوزموبوليتانية الموت . نتعاطف مع عالم الموت أكثر من الحياة . ربما كل عبارات الإخاء و المساواة و العدالة لم تدخل إلي حياتنا إلأ من حيز الموت ، من ثائر أو نبي أو شاعر ، تلك الأرواح المثالية التي لم يكن عالمنا هو عالمها الحقيقي ، كان لها عالم نفسي آخر .


لا يمكن أن تقوم ثقافة أو أدب علي تعميق فكرة انقسام الهوية ، مهما كانت هذه الفكرة حساسة ، أن تكون هي الفكرة المحورية و الجوهرية . أتذكر بشجن مالك حداد، الشاعر الجزائري الذي كان يكتب بالفرنسية، و هو يحاول في قصائده أن ينادي أمه ب ماما بدلا من ma mere . الانقسام يطول الحنان و الشعور و التشبع به . في عالمنا العربي هناك مأزق للذاكرة ، باختلاف المكان و المرجع ، ولكننا جميعا نحتاج لأفكار جديدة من خارج صندوق الذاكرة . ربما تكون فكرة مبدعة ، مجنونة ، ولكنها قد تعيد للذاكرة بعض الأمل . أن لا يكون الانقسام ، مهما كانت شعريته ، هو قدرنا .


عدد كبير من الشوارع في العاصمة يحمل أسماء شهداء :كي لا ننسي ما حدث . تتألق ذاكرة الشهادة ، الدم المعلق ، المليون شهيد ، و هناك إحصاء آخر ، المليون و نصف المليون شهيد . رقم فادح في ذاكرة أي شعب ، رقم تأبي الذاكرة أن تتحمله و تعيش متوازنة . كل ذاكرة متألمة تخلق ذاكرة مضادة حتي يخف الألم . أسمع أن هناك عدم دقة في إحصاء هذا الرقم،في لحظة الإحصاء التي امتدت مائة وثلاثين عاما ، كانت الذاكرة مجروحة و مستنزفة ، فعمقت من جرحها و جعلت منه إحتفالا بالموت ، بهذا الرقم الضخم الذي يصعب كسره ، يصعب تجاوزه ، إلا في الحروب الكبيرة ، الحروب العالمية . الجزائر كانت حربا عالمية و لكن بين طرفين لذا حازت نصيبا كبيرا من الشهداء ، و كذلك حازت كبرياء المنتصر و فرحته بنفسه ، فرحة الذات التي لم تقهر .


بالرغم من فداحة الاستعمار الفرنسي ، إلا أن اللغة الفرنسية هي لغة الحياة اليومية في الجزائر . اللغة شئ كالأمومة ، أمومة بعدة أوجه و أدوار ، و منها الإحساس الاستعماري للأمومة ، كأن تختلط مشاعرك، تحب و تكره في الوقت نفسه . و أيضا أن تستغل اللغة بعيدا عن مصدرها ، أن تتكلم باسمها و لكن بمشاعر مضادة .
الصراع الحقيقي للجزائريين ليس مع اللغة العربية ، بل مع الفرنسية ، لأنها تحمل داخلها الموقعة النفسية ، تحمل صراع الهوية و الرغبة في استقلالها ، تحمل البجعد النفسي للأمومة . هي مكان الصراع و الانتصار ، لأنها كانت مكان القهر ، و بزوغ أي نص جديد و مغاير هو معركة مع هذه اللغة ، مع مفهومها و أجروميتها و رموزها ، بإدخال مشاعرك و حزنك و رموزك داخلها ، حتي تمثل و تحتل أرضا ، حتي تصبح هويتك الجزائرية جزءا منها، حتي تسوي مظلمتك بداخلها وتستعيد بعضا من عدالة مجردة ترتجيها لم تتحقق علي أرض الواقع . لا أجد أي غضاضة في أن تكون اللغة الفرنسية هي الأهم ، لأن المرجع النفسي للجزائريين مازال داخلها ، أدوار الأمومة المتعددة والمتناقضة . لن تكون اللغة العربية هامة و ملحة إلا بانتقال الأمومة إليها . ربما ظهور الجماعات الأصولية هي محاولة متعسفة لتكوين ذاكرة مضادة للذاكرة الفرنسية ، و لكن هل يكفي الدين وحده ليكون هذه الذاكرة المضادة ؟؟


في حي القصبة ، و هو مكان المدينة أو الحي التركي القديم ، الحي الشعبي الذي يحتوي علي كثافة سكانية عالية و طرازه خليط من المباني العثمانية و العمارة الفرنسية . سرت هناك و لم أشعر لحظة بأني غريب ، و لم يشعرني أحد بهذا . حي مثل حي الجمالية في القاهرة و الأنفوشي بالإسكندرية ، أحياء نشد الرحال إليها ، فقر و زحام و تاريخ،و ربما هذه الأشياء هي ما تعطي للحي قداسته المدينية. متاهة حقيقية ، أصعد من مستوي لآخر ، عبر سلالم أو أنفاق لاتري إلا طاقة ضوء في نهايتها . بيوت مهدمة و حمامات تركية كل عدة خطوات . تسللت إلي أكثر الممرات ضيقا ، و لم يتغير شعوري تجاه ألفة الناس ، أو ألفتي تجاه نفسي. لم أكن بحاجة لأن أعرٌّف جنسيتي ، فبمجرد أن أتكلم يعرفون بأني مصري مصر أم الدنيا . أفرح لهذه الصورة التي مازالت تحتفظ بها الشعوب عنٌا .

في بهو الفندق الواسع الذي أقمت فيه ، تم تصوير عدة مشاهد من فيلم جزائري فرنسي مشترك ،واختاروا هذا الفندق لأنه أنشئ في فترة الاستعمار التي تدور حولها أحداث الفيلم . شاهدت أحد المشاهد لسيدات يرفلن في فساتين واسعة بورود حمراء وزرقاء ، و يلبسن قبعات كبيرة مائلة علي رؤسهن، و يحركن مراوح بأيديهن بحركات عصبية وسط هذا الجو المشبع بالرطوبة، و هناك رجال ببدل كاملة و قبعات من الخوص و بابيونات كبيرة علي أعناقهم. في الايام التالية كان الممثلون والفنيون يشيعون جوا طريفا علي مائدة الافطار وفي بهو الفندق وحديقته ، لايام عاد الفندق الي زمنه القديم .

في المدينة الرومانية بتيبازة ، و علي أحد صخورها المطلة علي البحر المتوسط، و أمام جبل شبهته مرشدتنا بأنه مثل جسد المرأة الحامل المضطجعة علي ظهرها . هنا جاء البير كامو، المولود بالجزائر، وجلس علي تلك الصخرة و كتب أحد أعماله . عدد كبير من الكتاب الفرنسيين ، كانت الجزائر بالنسبة لهم معبرا للتخلص من الذنب.


لمتابعة ما يتم نقله من المواقع الاخرى انقر على   مد وجزر 


publié par safir dans: مد وجزر
Recommander

Commentaires

Pas de commentaire pour cet article

Trackbacks

Pas de trackback pour cet article

Adresse de trackback pour cet article :

http://admin.dzblog.com/trackback.php?Id=73873

Ajouter un commentaire     Créer un trackback