رحلة إلي الجزائر
الحلقة الرابعة والاخيرة
بقلم علاء خالد
عن اخبار الادب المصرية
و
الصور لصاحب الموقع
صمت وصخب .. قهوة سوداء وشاي أخضر
الي: ياسين، جليلة، سفيان، سلمي، كريم،
نسيم حسن،نادية، غنية، فايزة، أبوبكر، بشير
في بداية التسعينيات، نشأ مرجع جديد في الذاكرة الجزائرية ، ولكنه أيضا دموي . أصبح هذا المرجع الجديد ينازع المرجع القديم، المتمثل في فترة الاستعمار الفرنسي، سطوته في الذاكرة الجمعية . ظهرت جماعات لها اتجاه ديني أصولي تحاول إشاعة الرعب في المجتمع ، عبر تفجيرات و عمليات قتل جماعي ، و اغتيالات و تصفيات لرموز صحافية و ثقافية و فنية . كانت محصلة الموت لتلك الفترة التي امتدت طوال عقد التسعينيات ، مابين مائة و خمسين و مائتين الف قتيل . بالتأكيد إنه رقم ضخم في ماراثون الموت هذا ، رقم يجعل الجزائريون يسمون تلك الفترة بالحرب الأهلية ، لأن العدو هذه المرة جاء من الداخل ، جاء ليؤكد وجود تناقض حاد في تكوين المجتمع . أي محاولة لفرض اتجاه بالقوة ، كما حدث مع هذه الجماعات ، أدي إلي زيادة رصيد الموت علي رصيد الحياة . كانوا يسمون تلك الجماعات بالأشباح ، استعمار لامرئي ، لا يجري و ينفذ عملياته ثم يختفي ، لذا أصبح المجتهم يتعدي حدود جماعة معينة او اتجاه ديني محدد و يمتد لأكثر من قوي تتحكم في المجتمع الجزائري ، و إلي مصالح كبري تقف وراء هذه الجماعات اللامرئية . و نتج عن هذه الحرب أيضا مئات وربما الاف من المفقودين ، لا يعرف اهاليهم أين ذهبوا و من قام بخطفهم ، و هل مازالوا أحياء حتي الآن ، و أين يقيمون ؟. حرب الأشباح هذه فجرت الاتهامات علي كافة الاتجاهات و الأصعدة ، و كذلك خلفت حنينا لغائبين و لمفقودين . 
في نهاية كل لقاء كانوا يودعون بعضهم البعض ، فربما لا يلتقون بعد ذلك ، ربما تصادف أحدهم عربة مفخخة في الطريق ، أو رصاصة مجهولة . هذا الموت العبثي و المجاني و اللامرئي ، جعلهم يكثرون من لقاءاتهم ، كأنهم بشكل جماعي ، و بأجسادهم كمادة و كمعني، يقفون ضد هذه الأشباح ، ويبعثون لهم برسالة واضحة مؤداها لن نخاف ، رجالا و نساء . حتي الحانات لم تتوقف في أوج منحني القتل و أزدهاره . يبدو أن لحظات الخوف الجماعي ، أو الانصهار الجماعي هي التي تحفر في الذاكرة ، تصنع لها مرجعا . ربما الجزائر العاصمة لم تعانِ كما عانت الأطراف و المدن الأخري ، ولكنها في النهاية رمز للمقاومة و استمرار الحياة ، و أي انتقاص من مظاهر هذه الحياة كان يعني تآكلا جزئيا لحياة هذا الرمز ، بما تحتويه من حانات و مقاه و مطاعم و نواد و لقاءات و غناء و رقص تسكع وأفراح ، بكل تفاصيل المدينة . فالمدينة لا يمكن أن تكون مذنبة .
دائما كانت الجبال تحطونا بشكلها الصريح أو المجازي، بعد أن استئنست و تحولت إلي مصاطب وسلالم و بيوت و مطالع و منازل و حنايا ، تفاصيل مثل تفاصيل الذاكرة الصلدة . تلك الجبال التي قاومت الاستعمار عادت مرة أخري لتغير من وظيفتها ، و تصبح ملجأ و ملاذا لهؤلاء الأشباح . في الطريق الي تيبازة، و هي مكان مدينة رومانية قديمة تبعد عن العاصمة حوالي سبعين كيلومترا ، شرح لي محمد سائق العربية و شبيه زين الدين زيدان ، عندما أخبرته بملاحظتي أكد لي أن أصدقاءه يرون فيه نفس الشبه بزيدان : كيف كانت الجبال التي تحوطنا ينهمر منها الرصاص ، و كيف كان الخوف يتصاعد عند الاقتراب منها أو السير بمحاذاتها . في مغاراتها كانت تختبئ نيات مبيتة و محكمة ومنظمة للقتل . أثناء مرورنا بالطريق إلي تيبازة ، رأيت قري و مساكن لفقراء ولأثرياء علي طريق البحر، وجدنا أطفالا يجلسون هادئين و أمامهم طاولة يبيعون عليها العيش البيتي و الخضار ، ينتظرون رزقهم في طريق العربات و يلوحون لنا بنظرات مستسلمة . كما في قري مصر و مدنها ، أصبح للأطفال دور و مهام في حياة الأسر العربية .
الحركة في الجزائر العاصمة لها إيقاع متعدد ، الانتقال من مستوي إلي مستوي آخر مرتفع ، و أحيانا يعني هذا الانتقال انتقالا من مستوي اجتماعي لمستوي اجتماعي أرقي . لا تسير في طريق واحد مستقيم و منبسط لمدة طويلة ، هناك كسر دائم لحدود الرؤية ، أشياء مخفية ، تفاصيل و أزقة و زوايا ، كأنها مدينة الطفولة المتخيلة و التي لم نعشها أبدا ، وربما تكون متاهة الطفولة .
من ساحة كنيسة السيدة الافريقية ، و التي تقع في منطقة مرتفعة من العاصمة ، من هناك أحيط بالمدينة ، أملك خارطتها ، و حولي ثنائيات من المحبين ، يدفعهم هذا التحليق فوق المدينة إلي المزيد من الاقتراب . من أعلي تظهر ، و كما شرح لي دليلي في هذه الجولة ، مقابر المسلمين و اليهود والمسيحيين علي أحد مصاطب المدينة . هذا التجاور بين الأديان لايتحقق بهذه الوداعة ، فالمقابر الثلاث كانت تحوطها الأشجار ، إلا بعد أن تستنزف الحياة تماما و ينتهي رصيدها ، كوزموبوليتانية الموت . نتعاطف مع عالم الموت أكثر من الحياة . ربما كل عبارات الإخاء و المساواة و العدالة لم تدخل إلي حياتنا إلأ من حيز الموت ، من ثائر أو نبي أو شاعر ، تلك الأرواح المثالية التي لم يكن عالمنا هو عالمها الحقيقي ، كان لها عالم نفسي آخر .
لا يمكن أن تقوم ثقافة أو أدب علي تعميق فكرة انقسام الهوية ، مهما كانت هذه الفكرة حساسة ، أن تكون هي الفكرة المحورية و الجوهرية . أتذكر بشجن مالك حداد، الشاعر الجزائري الذي كان يكتب بالفرنسية، و هو يحاول في قصائده أن ينادي أمه ب ماما بدلا من ma mere . الانقسام يطول الحنان و الشعور و التشبع به . في عالمنا العربي هناك مأزق للذاكرة ، باختلاف المكان و المرجع ، ولكننا جميعا نحتاج لأفكار جديدة من خارج صندوق الذاكرة . ربما تكون فكرة مبدعة ، مجنونة ، ولكنها قد تعيد للذاكرة بعض الأمل . أن لا يكون الانقسام ، مهما كانت شعريته ، هو قدرنا .
عدد كبير من الشوارع في العاصمة يحمل أسماء شهداء :كي لا ننسي ما حدث . تتألق ذاكرة الشهادة ، الدم المعلق ، المليون شهيد ، و هناك إحصاء آخر ، المليون و نصف المليون شهيد . رقم فادح في ذاكرة أي شعب ، رقم تأبي الذاكرة أن تتحمله و تعيش متوازنة . كل ذاكرة متألمة تخلق ذاكرة مضادة حتي يخف الألم . أسمع أن هناك عدم دقة في إحصاء هذا الرقم،في لحظة الإحصاء التي امتدت مائة وثلاثين عاما ، كانت الذاكرة مجروحة و مستنزفة ، فعمقت من جرحها و جعلت منه إحتفالا بالموت ، بهذا الرقم الضخم الذي يصعب كسره ، يصعب تجاوزه ، إلا في الحروب الكبيرة ، الحروب العالمية . الجزائر كانت حربا عالمية و لكن بين طرفين لذا حازت نصيبا كبيرا من الشهداء ، و كذلك حازت كبرياء المنتصر و فرحته بنفسه ، فرحة الذات التي لم تقهر .
بالرغم من فداحة الاستعمار الفرنسي ، إلا أن اللغة الفرنسية هي لغة الحياة اليومية في الجزائر . اللغة شئ كالأمومة ، أمومة بعدة أوجه و أدوار ، و منها الإحساس الاستعماري للأمومة ، كأن تختلط مشاعرك، تحب و تكره في الوقت نفسه . و أيضا أن تستغل اللغة بعيدا عن مصدرها ، أن تتكلم باسمها و لكن بمشاعر مضادة .
الصراع الحقيقي للجزائريين ليس مع اللغة العربية ، بل مع الفرنسية ، لأنها تحمل داخلها الموقعة النفسية ، تحمل صراع الهوية و الرغبة في استقلالها ، تحمل البجعد النفسي للأمومة . هي مكان الصراع و الانتصار ، لأنها كانت مكان القهر ، و بزوغ أي نص جديد و مغاير هو معركة مع هذه اللغة ، مع مفهومها و أجروميتها و رموزها ، بإدخال مشاعرك و حزنك و رموزك داخلها ، حتي تمثل و تحتل أرضا ، حتي تصبح هويتك الجزائرية جزءا منها، حتي تسوي مظلمتك بداخلها وتستعيد بعضا من عدالة مجردة ترتجيها لم تتحقق علي أرض الواقع . لا أجد أي غضاضة في أن تكون اللغة الفرنسية هي الأهم ، لأن المرجع النفسي للجزائريين مازال داخلها ، أدوار الأمومة المتعددة والمتناقضة . لن تكون اللغة العربية هامة و ملحة إلا بانتقال الأمومة إليها . ربما ظهور الجماعات الأصولية هي محاولة متعسفة لتكوين ذاكرة مضادة للذاكرة الفرنسية ، و لكن هل يكفي الدين وحده ليكون هذه الذاكرة المضادة ؟؟
في حي القصبة ، و هو مكان المدينة أو الحي التركي القديم ، الحي الشعبي الذي يحتوي علي كثافة سكانية عالية و طرازه خليط من المباني العثمانية و العمارة الفرنسية . سرت هناك و لم أشعر لحظة بأني غريب ، و لم يشعرني أحد بهذا . حي مثل حي الجمالية في القاهرة و الأنفوشي بالإسكندرية ، أحياء نشد الرحال إليها ، فقر و زحام و تاريخ،و ربما هذه الأشياء هي ما تعطي للحي قداسته المدينية. متاهة حقيقية ، أصعد من مستوي لآخر ، عبر سلالم أو أنفاق لاتري إلا طاقة ضوء في نهايتها . بيوت مهدمة و حمامات تركية كل عدة خطوات . تسللت إلي أكثر الممرات ضيقا ، و لم يتغير شعوري تجاه ألفة الناس ، أو ألفتي تجاه نفسي. لم أكن بحاجة لأن أعرٌّف جنسيتي ، فبمجرد أن أتكلم يعرفون بأني مصري مصر أم الدنيا . أفرح لهذه الصورة التي مازالت تحتفظ بها الشعوب عنٌا .
في بهو الفندق الواسع الذي أقمت فيه ، تم تصوير عدة مشاهد من فيلم جزائري فرنسي مشترك ،واختاروا هذا الفندق لأنه أنشئ في فترة الاستعمار التي تدور حولها أحداث الفيلم . شاهدت أحد المشاهد لسيدات يرفلن في فساتين واسعة بورود حمراء وزرقاء ، و يلبسن قبعات كبيرة مائلة علي رؤسهن، و يحركن مراوح بأيديهن بحركات عصبية وسط هذا الجو المشبع بالرطوبة، و هناك رجال ببدل كاملة و قبعات من الخوص و بابيونات كبيرة علي أعناقهم. في الايام التالية كان الممثلون والفنيون يشيعون جوا طريفا علي مائدة الافطار وفي بهو الفندق وحديقته ، لايام عاد الفندق الي زمنه القديم .
في المدينة الرومانية بتيبازة ، و علي أحد صخورها المطلة علي البحر المتوسط، و أمام جبل شبهته مرشدتنا بأنه مثل جسد المرأة الحامل المضطجعة علي ظهرها . هنا جاء البير كامو، المولود بالجزائر، وجلس علي تلك الصخرة و كتب أحد أعماله . عدد كبير من الكتاب الفرنسيين ، كانت الجزائر بالنسبة لهم معبرا للتخلص من الذنب.
لمتابعة ما يتم نقله من المواقع الاخرى انقر على مد وجزر
Commentaires
Pas de commentaire pour cet article
Trackbacks
Pas de trackback pour cet article
Adresse de trackback pour cet article :
http://admin.dzblog.com/trackback.php?Id=73873Ajouter un commentaire Créer un trackback

